المركز الذي لا يزحزحه شيء
الإنسان « الثابت في الحكمة » في الغيتا يسحب حواسه كما تسحب السلحفاة أعضائها؛ أما حكيم سبينوزا فلا يسحب شيئاً، بل يفهم. ثباتان، مركز واحد لا تبلغه الأضداد.
يتصوّر المرء عادةً ثبات النفس كصلابة: إنسان يتدرّع، يصرّ على أسنانه، لا يدع شيئاً يمسّه. ففي ميدان المعركة الذي تفتتح به البهاغافاد غيتا، ينهار أرجونا الرامي تماماً لأنه أحسّ بكل شيء — الشفقة، وخوف الإساءة، والاشمئزاز من الدم الذي سيهرقه. ويطرح على كريشنا سؤالاً لم يعد سؤال محارب، بل سؤال تلميذ: بم يُعرف الإنسان « الثابت في الحكمة والثابت في التأمل »، ذاك الذي « لا يتزعزع فكره حين يتكلّم، وحين يرتاح، وحين يعمل »؟
يا ابن بريثا، حين يتخلى عن جميع الرغبات التي تخترق القلوب، وحين يكون سعيداً بنفسه، عندئذ يقال إنه ثابت في الحكمة. […] وإذا سحب حواسه عن موضوعات الحس كما تسحب السلحفاة أعضائها، فقد رسخت فيه الحكمة.
الجواب يفاجئ صورة الدرع. الحكيم الذي يصفه كريشنا ليس جداراً؛ إنه سلحفاة. والفرق كله في الحركة: الجدار يقاوم، والسلحفاة تنكمش. فهي لا تكسر ما يصدمها، بل تسحب ما كان يمكن أن يصدم. أعضاؤها ليست مقطوعة، بل تنكمش — ويمكن أن تعود فتخرج. فالثبات ليس جموداً معارضاً للعالم، بل قدرة على الاستعادة: ردّ الحواس إلى الداخل، كما تُغلق اليد. الإنسان « الذي لا يتزعزع في المحن، ولا يفرح في النجاحات » قد « طرد الحبّ والخوف والغضب » لا بتقسية نفسه، بل بالتوقّف عن مدّ حواسه نحو ما يجرفها.
هذا الثبات يستند إلى شيء ما. فقد أثبت النشيد الثاني كله، قبل أن يصل إلى السلحفاة، أن ثمّة نفساً تحت الأجساد الفانية، « لا تخترقها السهام، ولا تحرقها النار » — أبدية، لا تُمسّ. ومن هنا يستمدّ الحكيم ثباته. فهو لا يواجه الأضداد؛ بل انسحب إلى المكان الذي لا تبلغه. وتنتهي الحركة بصورة ماء: « في المحيط الثابت الذي يمتلئ دائماً تندثر المياه: هكذا الإنسان الذي تندثر فيه جميع الرغبات ينال السلام ». الرغبة لا تُحارب جزءاً جزءاً؛ بل تندثر، كما يندثر النهر حين يدخل البحر. تسمّي الغيتا هذا المآل « المحطة الإلهية »: النفس التي تبلغها « لا تعرف الاضطراب ».
هل ثبات الحكيم هو عدم حساسية؟
لا. فلا الغيتا ولا سبينوزا يصفان قلباً خامداً. فـ« الثابت في الحكمة » قد سحب حواسه، لكنه يبقى « سعيداً بنفسه »؛ وحكيم سبينوزا « يمتلك الرضى الحقيقي ». ليس هذا غياب العاطفة، بل أساس: مركز تبلغه الأضداد دون أن تزحزحه. فالسلحفاة التي تنكمش لم تفقد أعضائها — بل توقّفت عن تركها تتدلّى في الخارج.
على بعد ألفي عام وقارة، يصف سبينوزا إنساناً قريباً بشكل مدهش: ذاك الذي لا تلعب به الأقدار. ففي نهاية الأخلاق، بعد أن قطع آلية العواطف كلها، يعارض الجاهل « الذي تلعب به الأسباب الخارجية بطرق كثيرة » بصورة أخرى.
أما الحكيم، على العكس، فلا يكاد يعرف الاضطراب الداخلي، بل وهو مدرك لنفسه ولله وللأشياء بإرادة أبدية معينة، لا يكفّ عن الوجود ويمتلك الرضى الحقيقي.
الصورة تتقارب؛ والطريق يختلف كلياً. فسبينوزا لا يسحب شيئاً. وثباته لا يتحقّق بسحب الحواس، بل بالفهم: فقوة النفس عنده تكمن كلّها « بالعلم وحده الذي فيها ». حكيم سبينوزا يبقى متوجّهاً نحو العالم، حواسه مفتوحة؛ ما يتغيّر ليس كمية العالم التي تدخل إليه، بل نوعية الأفكار التي يشكلها عنه. فكلّما أدرك الأشياء باعتبارها تنبع من ضرورة أبدية واحدة، قلّ ما تهزّه الانفعالات. وهو يعكس صراحة الترتيب الذي أشارت إليه السلحفاة:
السعادة ليست ثمن الفضيلة، بل الفضيلة ذاتها؛ وهذا الازدهار لا يتحقّق بتقليص شهواتنا الحسية، بل على العكس، فهذا الازدهار هو الذي يجعل تقليص شهواتنا الحسية ممكناً.
ها هي خطّة الفاصل، وهي واضحة قبل أيّ تقارب. فالغيتا تسير من الطرح نحو السلام: اسحب حواسك أولاً، تنازل عن الرغبة، فتثبت الحكمة. أما سبينوزا فيسلك الطريق المعاكس: فليس بكبت الشهوات أولاً نبلغ السكينة، بل السكينة — الفهم الذي صار قوة — هي التي تسمح بتقليصها لاحقاً. أحدهما ينكمش إلى الداخل ويغلق الباب؛ والآخر يفتحه على مصراعيه ويدع الضرورة كلها تدخل. أحدهما يطفئ الرغبة؛ والآخر يحوّلها بالفهم. وحتى آفاقهما لا تلتقي: محطة الغيتا هي انطفاء، النفس « تنطفئ في الله »؛ أما سعادة سبينوزا فهي نشاط لا ينطفئ، عقل « لا يكفّ عن الوجود » في حبّ ما يعرفه. اختزال أحدهما في الآخر يعني إفسادهما معاً.
ومع ذلك، فكلاهما يسمّي النقطة ذاتها. سواء أتيت إليها بسحب حواسك أم بتوسيع فهمك، تصل إلى مركز واحد تبلغه الأضداد دون أن تهزّه: « اعدّ اللذة والألم، الربح والخسارة، النصر والهزيمة متساويين »، تعلّم الغيتا؛ وحكيم سبينوزا « لا يكاد يعرف الاضطراب الداخلي ». ولا يستند أيّ منهما إلى هذا الثبات على تصلّب الأنا الصغيرة: فكلاهما يغرسه في ما هو أوسع منها — النفس الأبدية التي لا تمسّها شيء، ضرورة الله الأبدية. والماء نفسه هو صورة لهما: ترى الغيتا الرغبات تندثر في الإنسان كما تندثر الأنهار في البحر؛ وحكيم سبينوزا هو قاع المحيط الذي تبلغه عواصف السطح دون أن تهزّه. طريقان — أحدهما بالانسحاب، والآخر بالزيادة — إلى ماء واحد لا يكدر بعد. وكلاهما يحذّر من ندرة المكان: « المحطة الإلهية »، تقول الغيتا؛ « كلّ ما هو جميل صعب بقدر ما هو نادر »، يختتم سبينوزا. قمة واحدة، سفحان لا يجوز الخلط بينهما.
إن الثبات الذي يقترحه كلاهما ليس سوراً يُقام في وجه ما يأتي. بل هو عمق لا تبلغه الدنيا قاعه. سواء نزلت إليه بإغلاق الحواس أم بفهمها، فالعلامة واحدة: الأمواج تستمرّ في القدوم، ولا تحمل شيئاً.
المصادر المقتبسة
- Bhagavad-Gîtâ, Bhagavad-Gîtâ, طبع. Librairie de l'Institut, 1861, ترجمة. Émile Burnouf.
- Baruch Spinoza, Éthique, طبع. Garnier Frères, 1913, ترجمة. Charles Appuhn.