الزمن وطبيعة الواقع

رؤيتان للتدفق: جزيئات خالدة أم تمدد الروح

الزمن وطبيعة الواقع
جاك دو غين الثاني — لوحة الطبيعة الصامتة للفانيتاس (١٦٠٣). متحف المتروبوليتان للفنون، CC0.
ل

ا شيء يبدأ، ولا شيء ينتهي. الزمن يمتد كنسج بلا خياطة، كل خيط فيه جزيء في حركة أبدية. هكذا يرى لوكريتيوس الأمر، حين تخترق عيناه حجاب المظاهر لتدرك سعة العلل. الزمن ليس إطارًا تحدث فيه الأشياء، بل هو تلك الأشياء ذاتها، رقصها اللانهائي عبر الفراغ. الواقع يتجلى كتدفق مادي، حيث كل شيء موجود منذ الأزل وإلى الأبد.

الزمن كحركة الذرات

لا شيء يمنع عينيّ من أن تنفذ، عبر الفراغ، إلى حركة الأشياء تحت قدميّ، حين أرى، بقوة عقلك، وحتى أعماق العلل، تنكشف الطبيعة في سعتها، لا أدري أي رعشة من اللذة المقدسة، أي رهبة إلهية تغمر كياني كله.

, في طبيعة الأشياء , livre De la nature des choses  — éd. عن الترجمة الفرنسية لأندريه ليفر

هذه الرعشة ليست رعشة خوف، بل اعتراف: الزمن هو نسيج الكون ذاته، انبساط لا نهاية له لجزيئات تتجمع وتتفكك. لا أصل ولا نهاية. العلل تتسلسل في ضرورة عمياء، والإنسان، حين يتأملها، يبلغ نوعًا من السكينة. تنشأ “اللذة المقدسة” من هذه الرؤية حيث كل شيء متصل، وحيث الحاضر ليس سوى لحظة عابرة في حركة أوسع. الزمن ليس مقياسًا، بل جوهر الأشياء ذاته، صيرورتها الأبدية.

هنا، يتماهى الواقع مع الزمن. ليس له أساس آخر سوى حركة الذرات، تلك “القوة” التي تكشف العلل حتى أعماقها. السعة ليست ما وراء، بل ما ينكشف حين تخترق العين حجاب الأوهام. الزمن ليس مشكلة تُحل، بل حقيقة تُختبر.

الزمن كتمدّد الروح

أما أوغسطين فلا يرى الزمن تدفقًا خارجيًا، بل توترًا داخليًا. لا يبحث عنه في حركة الجزيئات، بل في الروح ذاتها، في قدرتها على التوجه نحو ما يتجاوزها. الزمن ليس جوهرًا، بل تجربة، طريقة يتصل بها الإنسان بالأبدية.

من سيوقف هذا القلب، من سيثبته ليفتح لحظة مستقرة، ليرى بهاء الأبدية الساكنة، ليقارنها بحركة الأزمنة، وليجد كل مقارنة مستحيلة؛ أن يرى في الديمومة تتابعًا للحركات لا يمكنها أن تتطور دفعة واحدة؛ وأن يلاحظ، على العكس، أن شيئًا من الأبدية لا يزول، وأنها تبقى كلها حاضرة، في حين لا يوجد زمن يكون كله حاضرًا؛ فالآتي يتبع الماضي الذي يطرده أمامه؛ وكل ماضٍ وكل آتٍ يستمد كينونته وسيره من الأبدية الحاضرة دائمًا؟

, الاعترافات , livre Les Confessions, ch. XI  — éd. عن الترجمة الفرنسية لموريس مورو

الزمن، عند أوغسطين، تمدد. الروح تتوتر بين ماضٍ لم يعد وآتٍ لم يأتِ بعد، بينما الحاضر يفرّ بلا انقطاع. هذا التوتر مؤلم، لأنه يكشف استحالة الإمساك بالزمن في كليته. الأبدية، على العكس، لا تزول، بل هي كلها حاضرة. أما الزمن فهو تتابع للحركات لا يمكنها أن تتعايش. الآتي يطرد الماضي، والحاضر ليس سوى نقطة زائلة بينهما.

هذه الرؤية ليست وصفًا للعالم، بل تأملًا في حال الإنسان. الزمن ليس معطى موضوعيًا، بل طريقة تتصل بها الروح بما يتجاوزها. الأبدية ليست مفهومًا، بل حضورًا يجعل الزمن ممكنًا وغير مفهوم في آن. القلب يسعى إلى الثبات، إلى الانفتاح على هذا الحضور، لكنه لا يقدر إلا في اللحظة، التي تفرّ دائمًا.

مسلكان لغز واحد

لوكريتيوس وأوغسطين لا يتحدثان عن زمن واحد، لكن ربما يتحدثان عن الواقع ذاته. الأول يراه تدفقًا ماديًا، والثاني توترًا روحيًا. ومع ذلك، في كلا الحالين، يفلت الزمن من أي إمساك نهائي.

بالنسبة للوكريتيوس، الزمن هو سعة العلل، حركة لا نهاية لها حيث كل شيء مُعطى مسبقًا. أما عند أوغسطين، فهو تمدد يكشف الفجوة بين الإنسان والأبدية. الأول يقدم رؤية يكون فيها الزمن نسيج الواقع ذاته، والثاني تجربة يكون فيها الزمن ما يفصلنا عما لا يزول.

لكن في كلا الحالين، الزمن هو ما يقاوم الاستحواذ. لوكريتيوس يتأمله كمنظر لا نهائي، وأوغسطين كغز لا يُحل إلا بالانفتاح على الأبدي. الأول يجد فيه “لذة مقدسة”، والثاني توترًا لا ينحل إلا في الحضور الإلهي.

ربما لا يتعلق الأمر باختيار بين هذين المسلكين، بل بالاعتراف بأنهما يشيران، كل بطريقته، إلى ما يتجاوزنا. الزمن ليس خارجيًا تمامًا، ولا داخليًا تمامًا. هو ما يربطنا بالعالم وما يفصلنا عنه. هو ما يُعطى في حركة الذرات وما ينسحب في الأبدية.

وهل تكمن الحكمة في الجمع بين هاتين الرؤيتين؟ في رؤية الزمن كتدفق مادي وتمدد للروح معًا، دون محاولة اختزال أحدهما في الآخر؟ ربما حينئذٍ لا تكون رعشة لوكريتيوس وتوتر أوغسطين سوى وجهين لتجربة واحدة: تجربة واقع يفلت منا دائمًا، ومع ذلك يشكلنا.

المصادر المقتبسة

  • Lucrèce, De la nature des choses, طبع. , ترجمة. André Lefèvre.
  • Augustin d'Hippone, Les Confessions, طبع. , ترجمة. M. Moreau.