الامتنان: تكنولوجيا إصلاح العالم
تأمل في التبادلية مع الكائنات الحية وفق رؤية روبين وول كيمر
ليس الامتنان شعوراً سلبياً، بل قوة تحوّل. بحسب روبين وول كيمر، يبدأ هذا التحوّل بانقلاب في النظرة: ماذا لو لم تعد النباتات مجرّد مواضيع للدراسة، بل أدلة؟ هذا السؤال، الذي يشكّل لبّ تفكيرها، يدعونا إلى إعادة النظر في مكاننا في العالم. فكل كائن، كما تشرح، يحمل في ذاته هبة فريدة، قدرة تميّزه. الطيور تغنّي، النجوم تضيء، وهذه الهبات ليست بلا مقابل: إنها تلزم بمسؤولية. فغناء الطائر ليس مجرد هدية للأذن البشرية، بل واجب على الطائر ذاته، تكليف بتسبيح الفجر. هذه التبادلية تؤسس علاقة يتوازن فيها العطاء والأخذ، ويصبح الامتنان أساساً للتعايش المتناغم.
تلاحظ روبين وول كيمر أن القصص التقليدية تقدم مفاتيح لفهم هذه الديناميكية. فهناك قصص تتحدث عن شعوب حُرمَت من أسباب العيش لافتقارها إلى الاعتراف بهبات الأرض. وفي المقابل، أولئك الذين يزرعون الامتنان والتبادلية — كشعوب الذرة، الذين تغيّروا بفعل هذه الوعي — ينجحون في العيش بتناغم مع بيئتهم. فالامتنان إذاً ليس مجرد شكر: إنه شرط للبقاء، فعل يعيد التوازن المفقود. لكنه وحده لا يكفي. فهناك كائنات حية تمتلك قدرات لا يملكها البشر — الطيران، الرؤية في الظلام، إنتاج شراب القيقب. أما البشر فلديهم اللغة. وهكذا تصبح الكلمات هبتهم ومسؤوليتهم: أدوات لسرد القصص، لربط العلم بالروحانية، لتذكّر واختراع حكايات تغذّي علاقة متجددة مع الأرض.
هذه الرؤية تندرج في اقتصاد المشاركة، حيث لا تكون الموارد — الماء، الأرض، الغابات — ملكيات خاصة، بل خيرات مشتركة. تؤكد روبين وول كيمر أن هذا النهج، بعيداً عن خلق الندرة، يحافظ على الوفرة. وتستحضر صورة قوية: وعاء واحد وملعقة مشتركة، رمز لتوزيع عادل لهبات الأرض. هذه الاستعارة ترسم بديلاً للأنظمة الاقتصادية المدمرة، حيث لا تُستغل الأرض، بل تُحترم وتُصان لخير الجميع. لكن هذه التغيرات الهيكلية وحدها لا تكفي. فلا بد أيضاً من تحول داخلي، فالندرة والوفرة ليستا مجرد حقائق مادية، بل حالات ذهنية أيضاً.
يعمل الامتنان، بحسبها، كعلاج ضد خلل روحي، مرض الجشع والعزلة. فمن خلال تنمية وعي حادّ بهبات الأرض والكائنات الحية الأخرى، نتعلم التمييز بين الحاجات الحقيقية والأوهام التي تخلقها منطقيات الاستهلاك. هذه الممارسة تسمح بالاحتفاء بغنى لا يُقاس بالممتلكات، بل بالعلاقات المتبادلة المنفعة. كما تدعو إلى تربية للامتنان، حيث ينشأ الأطفال في ثقافة يكون فيها الاعتراف بالجميل سابقاً على كل شيء. تشرح معلمة في مدرسة أصلية أن هذه التربية تمر بطقس يومي: شكر كل عنصر من عناصر الخلق على دوره في حفظ الحياة. هذا الطقس يذكر بأن كل ما يلزم للبقاء موجود أصلاً، وأن الامتنان هو وسيلة للاعتراف بذلك.
الإنجليزية We can do it through gratitude, through ceremony, through land stewardship, science, art, and in everyday acts of practical reverence.
العربية يمكننا تحقيق ذلك بالامتنان، وبالاحتفال، وبالإدارة المسؤولة للأرض، والعلم، والفن، وفي الأفعال اليومية لتوقير ملموس.
الامتنان كفعل سياسي
يتجاوز الامتنان، كما تراه روبين وول كيمر، الإطار الفردي ليصبح فعلاً سياسياً. فمن خلال الاعتراف بهبات الأرض، نرفض اعتبارها موارد لا تنضب للاستغلال. هذا الاعتراف يستلزم مسؤولية: مسؤولية العناية بما يُقدّم لنا. فالكلمات، مثلاً، ليست محايدة. يمكنها أن تُستخدم لسرد قصص تربط البشر بالكائنات الحية الأخرى، أو على العكس، لتبرير هيمنتها. وفي هذا المنظور، يصبح الكتابة فعل تبادلية، وسيلة لتكريم الأرض من خلال مشاركة حكايات تعيد الروابط المقطوعة.
هذا النهج يلتقي برؤية لا تملك فيها الأرض أحداً، بل تُوكَل إلى الجميع. فالأنظمة الاقتصادية التي تُخصخص الموارد الطبيعية تتعارض مع هذا المنطق القائم على المشاركة. تؤكد روبين وول كيمر أن البدائل موجودة، وأنها تستند إلى مبادئ الاحترام والتبادلية. وهذه المبادئ ليست مجرد مُثل عليا: فلها تطبيقات ملموسة، كإدارة الأراضي جماعياً أو حماية النظم البيئية. لكن لكي تنجح هذه البدائل، لا بد من تغيير في العقلية. والامتنان، كممارسة يومية، يسمح بتنمية هذه العقلية. فهو يذكر بأن الغنى لا يكمن في التراكم، بل في القدرة على المشاركة والحفاظ على علاقات متناغمة.
تربية الامتنان
كيف ننقل هذه الرؤية للعالم؟ تستحضر روبين وول كيمر مدرسة تعلّم الامتنان منذ الطفولة. ففي كل يوم، يشكر التلاميذ عناصر الخلق — الحيوانات، النباتات، الأنهار — على مساهمتها في الحياة. هذا الطقس ليس مجرد شكليات: إنه تربية تُكوّن كائنات واعية بتداخلها مع الكائنات الحية. فالأطفال الذين ينشأون في ثقافة يكون الامتنان فيها أولوية يتعلمون رؤية العالم كشبكة من الهبات والمسؤوليات. إنهم يفهمون أن البقاء لا يعتمد على التملك، بل على القدرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع بيئتهم.
تقوم هذه التربية على فكرة بسيطة: كل ما يلزم للحياة موجود أصلاً. والامتنان هو وسيلة للاعتراف بذلك، والالتزام بالمحافظة على هذه الهبات. كما يسمح بمقاومة منطقيات الاستهلاك التي تخلق الندرة والاصطناع. فمن خلال الاحتفاء بالوفرة الطبيعية، نتحرر من أوهام النقص ونفتح الطريق لتعايش أكثر تناغماً. تبيّن روبين وول كيمر أن هذا التحوّل ممكن، شرط أن نبدأ بتغيير في النظرة: أن نرى العالم ليس كمجموعة موارد للاستغلال، بل شبكة علاقات للعناية بها.
المصادر المقتبسة
- Robin Wall Kimmerer, Braiding Sweetgrass: Indigenous Wisdom, Scientific Knowledge, and the Teachings of Plants, طبع. Le lotus et l'éléphant, 2021, ترجمة. Véronique Minder.