ذكاء الأنماط: تايسون يونكابورتا وفكر *داديري* كأخلاق للبقاء
حين ينسج الزمن أنماطاً بدلاً من أن يجري كسهم
المعرفة، بحسب تايسون يونكابورتا، لا تُنقل كشيء جامد، بل تنكشف في فعل الاستماع إلى العالم. إنها تنبثق من انتباه موجَّه إلى الأنماط التي تُشكِّل الكائن الحي، تلك الأنماط التي ليست مجرد تكرارات، بل هي قواعد للواقع. في حديث الرمل، يدعو إلى إعادة التفكير في الزمن لا كسهم موجَّه نحو مستقبل خطي، بل كنسيج يتحاور فيه كل خيط — كل حكاية، كل طوطم، كل فصل — مع غيره. هذا النهج، المتجذر في ممارسة يسميها حديث الرمل، ليس مجرد استعارة شعرية، بل طريقة ملموسة للعيش في عالم في أزمة. يقوم على قناعة واحدة: لا تنشأ النظم المستدامة من فرض نماذج خارجية، بل من القدرة على تمييز الأنماط الموجودة أصلاً في النظم البيئية والانخراط فيها.
بينما كنت أرصد هذا النمط، تحدثت مع الدكتور لاري غروس، رئيس قسم الدراسات الأمريكية الأصلية في جامعة ريدلاندز بكاليفورنيا.
الأنماط المروية عن النهايات: ذاكرة مشتركة
يلاحظ تايسون يونكابورتا أن العديد من الثقافات، الأصلية وغير الأصلية، تتشارك في حكايات عن كوارث شكلت منعطفات في تاريخها. هذه الحكايات ليست مجرد أساطير، بل أرشيفات حية تذكِّر بحقيقة أساسية: المجتمعات التي تعجز عن التكيف مع إيقاعات الأرض محكوم عليها بالزوال. يستحضر هنا حدثاً أسطورياً سقط فيه نيزك على الأرض، مخلفاً دماراً هائلاً وآثاراً مثل تلك الندوب على جلود الورل التي صارت دروساً للناجين. هذه الرواية ليست معزولة، بل تجد صدى في تقاليد أخرى، بما في ذلك نصوص مثل التوراة مع قصة برج بابل.
هذه التقاطعات ليست عابرة. فهي تكشف، بحسبه، عن نمط كوني: الثقافات التي تنجو من الاضطرابات هي تلك التي تحافظ على تنوع اللغات والممارسات والنظم المتكيفة مع النظم البيئية المحلية. الاستقرار والتمسك بنماذج جامدة يقود إلى الانهيار. وعلى العكس، المجتمعات التي تقبل التحول وفقاً لحركات الأرض — أو الشبكات التي تلهمها — تطور مرونة تمكنها من تجاوز الأزمات. تلتقي هذه الفكرة مع أعمال الدكتور لاري غروس، الأكاديمي الأنيشينابي، الذي يتحدث عن متلازمة الإجهاد ما بعد نهاية العالم لوصف حالة ثقافة أصيبت بصدمة عنيفة لم تتعافَ منها تماماً. يضيء هذا المفهوم كيف تعاني بعض المجتمعات بعد انهيار ما في إعادة البناء، بينما تنجح أخرى في دمج هذه الصدمات في ذاكرتها الجماعية.
الطوطمية كنظام ديناميكي
بالنسبة لتايسون يونكابورتا، المعرفة لا تقتصر على معلومة مكتسبة، بل تتجسد في علاقة حية مع العالم. يوضح هذه الفكرة من خلال نظامه الطوطمي الخاص، حيث لا يكون كل عنصر — كركوكة البرولغا، أو أصداف المانغروف، أو البرق — مجرد رمز مجرد، بل شريكاً في شبكة من التبادل. هذه الطوطمات ليست عشوائية: فهي مرتبطة بوظائف بيولوجية محددة، مثل تلك الأصداف التي تشبه الكلية وتطهر الدم عند تناولها نيئة. هذا النظام ليس معتقداً جامداً، بل ممارسة فاعلة، طريقة للوجود في تفاعل مستمر مع البيئة.
يتناقض هذا النهج الشمولي مع الأساليب العلمية التي تعزل العناصر لدراستها في المختبر. فبحسبه، تحليل لحم قشريات دون معرفة منشأها أو موسم حصادها أو دورها في النظام البيئي يعني تفويت الجوهر. المعرفة، من هذا المنظور، لا تختزل في بيانات، بل تُعاش في علاقة متجسدة مع المشهد. إنها تتطلب انضباطاً، انتباهاً مستمراً لحلقات التغذية الراجعة التي تربط الإنسان بغير الإنسان. وهذا الانضباط لا يُكتسب عبر طقوس سطحية — كالعزف على الديدجيريدو أو قراءة أوراق التاروت — بل عبر الانغماس في إطار ثقافي حي، حيث يصبح كل فعل وكل كلمة جزءاً من نمط أوسع.
حديث الرمل: رسم الأنماط للحوار
حديث الرمل ممارسة تجسد هذا الفكر في الفعل. ليس مجرد تبادل كلامي، بل عملية تتشكل فيها الأفكار عبر خطوط مؤقتة، رسوم تجسد أنماط العالم. يؤكد تايسون يونكابورتا أن هذه الطريقة لا تقدم يقينيات: إنها أداة للحوار، وسيلة لاستكشاف الروابط بين نظم المعرفة الأصلية والعلمية. ترفض الجمود العقائدي لصالح نهج مرن، حيث تنكشف الأنماط تدريجياً، كحبات الرمل تحت الأصابع.
تكتسب هذه الممارسة معناها الكامل عند مقارنتها بأمثلة ملموسة لتدمير ثقافي. يستحضر هنا شبه جزيرة بوروب، حيث دمرت جرافات تمثيلات قديمة للحكمة باسم “يقين” ينكر أي شكل آخر من المعرفة. أما حديث الرمل، فعلى العكس، يعترف بطابعه المؤقت والمنفتح. لا يدعي امتلاك الحقيقة، بل يقترح فضاءً تلتقي فيه المعارف وتتصادم وتتكامل. هذا التواضع هو جوهر منهجه: يسمح بالخروج من الثنائيات العقيمة بين التقليد والحداثة، نحو معرفة متجذرة في الماضي ومتكيفة مع تحديات الحاضر.
الزمن كنسيج: أخلاق للبقاء
مفهوم الزمن عند تايسون يونكابورتا لا ينفصل عن رؤيته للأنماط. الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل شبكة من الأنماط التي تتكرر وتتحوَّل وتتآلف. هذه اللاخطية ليست تجريداً فلسفياً، بل واقعاً معاشاً، حيث يكون كل لحظة إرثاً ووعداً في آن. الحكايات المروية عن النهايات التي يستحضرها ليست إنذارات بعيدة، بل تذكيرات بأن الأزمات هي لحظات تحول، حيث يمكن للأنماط القديمة إما أن تنكسر وإما أن تتجدد.
لهذه الرؤية للزمن تبعات أخلاقية عميقة. فهي تدعو إلى إعادة التفكير في الاستدامة لا كهدف يُحقَّق، بل كممارسة يومية تُنسج فيها كل قرار في شبكة من العلاقات. كما تحمل مسؤولية: مسؤولية الحفاظ على تنوع اللغات والثقافات والنظم، فهذا التنوع هو ما يمكِّن المجتمعات من التكيف. في عالم تشهد انهيارات بيئية واجتماعية، يقدم هذا النهج بديلاً للنماذج السائدة التي غالباً ما تفضل التجانس والنمو على حساب المرونة.
صوت لإعادة سحر المعرفة
لا يكتفي تايسون يونكابورتا بانتقاد حدود المعارف الغربية: إنه يقترح طريقة أخرى للمعرفة، قائمة على الاستماع والتبادل والانتباه لأنماط الكائن الحي. عمله حديث الرمل هو في آن معاً بيان ودعوة. يذكرنا بأن المعرفة ليست ملكية، بل علاقة، وأن النظم المستدامة لا يمكن أن تنبثق إلا من اعتراف متبادل بين الإنسان والعالم من حوله.
برفضه الفصل بين الفكر والعمل، وبين المعرفة والتجربة، يرسم أخلاقاً للبقاء ليست مسألة تقنية، بل مسألة موقف. موقف يقبل فيه المرء أن يتغير بفعل الأنماط التي يلاحظها، حيث يدرك أن الحكمة لا تكمن في السيطرة، بل في القدرة على الرقص مع إيقاعات الكائن الحي. في سياق تتكاثر فيه الأزمات، يقدم هذا الصوت الأصلي المعاصر بوصلة للملاحة في عالم من عدم اليقين — لا عبر البحث عن إجابات جاهزة، بل عبر تعلم طرح الأسئلة الصحيحة.
المصادر المقتبسة
- Tyson Yunkaporta, Sand Talk, طبع. Éditions Véga (Guy Trédaniel), 2021 — éd. originale Text Publishing, 2019, ترجمة. Anne Delmas.