نسج الأصوات: اليارننغ بوصفه إبستمولوجيا حية
عندما يتحول الحوار إلى منهج للمعرفة الجماعية
ليست القصص مجرد وسائل لنقل المعرفة فحسب، بل هي — بحسب تايسون يونكابورتا — الآلية الأكثر فاعلية لتثبيت الذاكرة في الزمن. فبينما تتلاشى المعلومات المنعزلة بسرعة، تنطبع الحكاية المبنية بعناية بعمق، خاصة إذا استندت إلى استعارات أو أماكن أو صور قوية. لكن الكاتب يذهب أبعد من ذلك: ما يحول الرواية حقًا إلى معرفة هو اندماجها في عملية تبادل. فهذا الحوار المنظم، الذي يسميه يارننغ، يتجاوز بكثير مجرد السرد. إنه ممارسة ثقافية تتشابك فيها القصص وتتناغم وتثري بعضها البعض، حتى تنبثق منها معانٍ جماعية.
الحوار كمختبر للمعنى
يلاحظ تايسون يونكابورتا أن اليارننغ ليس مجرد حديث عابر، بل نشاط طقوسي يجمع بين السرد والفكاهة والإيماءات والتعبيرات لبناء توافق وإبداع. بخلاف المحادثة العادية، ترتبط هذه الممارسة ارتباطًا وثيقًا بمكان وعلاقات محددة، فلا تقتصر على نقل المعلومات فحسب، بل تربطها برؤية عالم مشتركة تتشابك فيها كل الأشياء. يؤكد الكاتب على هذه النقطة: المعرفة التي ينتجها اليارننغ لا يمكن فصلها عن سياقها، فهي تنبثق من التفاعلات بين المشاركين، ومن المرجعيات المشتركة وديناميكيات المجموعة الخاصة.
تختلف هذه المقاربة جذريًا عن الأساليب السائدة في الثقافات المكتوبة، حيث يشير يونكابورتا إلى ميل الأخيرة لعزل الأفكار ودراستها ككيانات مستقلة منفصلة عن بيئتها. ويعزو هذه النزعة جزئيًا لتأثير أفلاطون، الذي أدخل فكرة تحليل المفاهيم خارج سياقها، مما أفضى إلى الاختزالية — منهج يجزئ الواقع لفهمه لكنه يفقد في طريقه ثراء العلاقات والتداخلات.
تُدعى القصص أيضًا يارنز، لكن اليارننغ كفعل هو عملية مختلفة: هذا الرمز يمثل عملية التبادل الشفهي بقدر ما يمثل الرواية ذاتها، لأن المعنى ينبثق حين تلتقي القصص وتبدأ في إيجاد دلالتها.
إبستمولوجيا متجذرة في الحيّ
يرى تايسون يونكابورتا أن إتقان سبل المعرفة الأصلية يتطلب تجاوز موضوع الدراسة لدمج سياقه. فلا يكفي فهم ظاهرة ما، بل يجب وضعها داخل شبكة من العلاقات المعقدة حيث يؤثر كل عنصر في غيره. هذه المقاربة، المميزة للثقافات الشفاهية، تعتمد على منطق السياق العالي: فلا تُفهم الأفكار إلا في بيئتها، مع الأخذ في الاعتبار الديناميكيات الاجتماعية والمكانية والزمنية المحيطة بها.
يقارن الكاتب هذه الرؤية بتلك السائدة في الثقافات المكتوبة، حيث تعتمد الاستدلالات بشكل أقل على السياق. ففي الأخيرة، تُعامل الأفكار غالبًا ككيانات مستقلة، مما يسهل تحليلها لكنه يُفقِر معناها. يرى يونكابورتا في هذا الانفصال خسارة كبرى: فقدان القدرة على إدراك الأنماط، تلك البنى المتكررة التي تنظم الحيّ. بالنسبة له، فإن اليارننغ هو منهج لاستعادة هذا الذكاء الأنماطي، عبر استخراج معارف جماعية من القصص المتشابكة.
الرواية كمقاومة للتجزئة
ليست ممارسة اليارننغ مجرد عادة ثقافية فحسب، بل هي أيضًا شكل من أشكال المقاومة أمام تجزئة المعرفة. فبرفضها فصل الأفكار عن سياقها، تحافظ هذه الطريقة على تعقيد الواقع، وتتيح بناء معارف ليست جامدة بل ديناميكية، تتطور باستمرار مع تبادل الآراء. يؤكد يونكابورتا على هذه النقطة: بدون حوار، تبقى القصص أدوات لتنويم العقول، روايات ثابتة لا تلزم بشيء. إنما الحوار هو ما يوقظها، يجعلها حية وحاملة للمعنى.
تتقاطع هذه الرؤية مع نقد أوسع لأنماط التفكير الغربية، التي غالبًا ما فضلت الفردية والتخصص على حساب المقاربات الجماعية. يذكر الكاتب أن هذه النزعة تعززت بانتشار الأدب المكتوب، الذي سمح للأفكار بالتداول بمعزل عن سياقها. أما اليارننغ، فعلى العكس، يتطلب حضورًا واستماعًا ومشاركة فعالة، فلا يتعلق الأمر باستهلاك القصص بل بخلقها معًا، عبر ربطها بتجارب مشتركة وأماكن ملموسة.
نحو أخلاقية للاعتماد المتبادل
في النهاية، ليس اليارننغ مجرد تقنية، بل أخلاقية. أخلاقية للاعتماد المتبادل، حيث لا تملك المعرفة أحدًا بعينه، بل تنبثق من التفاعلات بين الأفراد وبيئتهم. يدعو يونكابورتا إلى إعادة التفكير في أنماط تفكيرنا لاستعادة هذا الذكاء الجماعي القادر على إدراك الأنماط التي تنظم الحيّ. ففي عالم تزداد فيه المعرفة تجزئة، تقدم هذه الممارسة سبيلًا لإعادة سحر المعرفة عبر ربطها بما يهم حقًا: العلاقات والأماكن والروايات التي تجمعنا.
المصادر المقتبسة
- Tyson Yunkaporta, Sand Talk, طبع. Éditions Véga (Guy Trédaniel), 2021 — éd. originale Text Publishing, 2019, ترجمة. Anne Delmas.