---
title: "السكنى في الانهيار: بين الكآبة الفاعلة والتآلف المتين"
sousTitre: "مساران لوعي الاضطراب"
description: "في مواجهة الانهيار، يرسم إدغار موران ودونا هارواي مسارات متباينة لكنها غير متنافية: الأول عبر كآبة فاعلة تغذيها وعي مأساوي، والثانية بممارسات التآلف التي ترفض اليأس كأفق نهائي. حوارهما الضمني يقترح توتراً مثمراً بين اليقظة والإصلاح، حيث تتجلى ذكاء الإنسان في قدرته على احتضان هذين المسارين معاً."
date: 2026-10-02
lang: ar
tradition: transversal
auteurs: ["إدغار موران", "دونا هارواي"]
---
# السكنى في الانهيار: بين الكآبة الفاعلة والتآلف المتين

و

وعي الانهيار يستدعي ذكاءً قادراً على الثبات في الاضطراب دون أن يغرق فيه. هنا تتجاوب صوتان دون أن يتلاشيا في بعضهما. أحدهما، صوت إدغار موران، يدعو إلى كآبة فاعلة، حيث تصبح اليقظة إزاء سوء حظ الذكاء أساساً للفكر الحواري. والآخر، الذي تحمله دونا هارواي، يقترح زرع ممارسات للنهوض تواجه الصدمات دون أن تستسلم لليأس. هذان المقاربان لا يتعارضان، بل يكملان بعضهما برفض مشترك للوهم أو الاستسلام.

## الكآبة الفاعلة: الذكاء أمام حدوده

يضع موران الذكاء البشري في قلب توتر جوهري. فهو في آن معاً حظ ونحس، نور وظلام. في *المنهج، السبيل*، يكتب:

> ذكاء الذكاء البشري
> الصفات الذكية
> حظوظ وسوء حظ الذكاء
> الجدلية المفكرة
> تصور التصور
> وعي الوعي
> جبل الجليد اللاواعي
> تخلف الوعي
> خاتمة: طائر مينيرفا
> ما قبل تاريخ العقل البشري
>
> — **Edgar Morin**, *La Methode*, livre La Voie. éd. عن الترجمة الفرنسية لأن بريجيت كيرن، سوي، 1993.

هذه القائمة ليست مجرد تعداد. إنها ترسم خريطة لقوى وعيوب العقل البشري. فالذكاء، عند موران، قدرة تحمل في ذاتها فخاخها الخاصة. فـ"سوء حظه" ليس حوادث خارجية، بل مخاطر متأصلة في عمله. والجدلية المفكرة، مثلاً، هي تلك القدرة على احتضان منطق متناقض، لكنها تتطلب وعياً حاداً بحدودها الخاصة.

تنبثق الكآبة الفاعلة من هذا الوعي. إنها ليست استسلاماً، بل يقظة تسمح بالعمل على الرغم من كل شيء. يتحدث موران عن "جبل الجليد اللاواعي" و"تخلف الوعي" كحقائق لا بد من التعايش معها. فالانهيار، من هذا المنظور، ليس مجرد أزمة خارجية فحسب، بل يكشف أيضاً عن ثغرات ذكائنا الجمعي. وهكذا تصبح الكآبة محركاً، طاقة تدفع إلى التفكير رغم الظلال، إلى الفعل رغم الريبة.

## التآلف المتين: العيش مع الاضطراب

تقترح هارواي في *العيش مع الاضطراب* مساراً آخر. فهي لا تنكر خطورة الصدمات، لكنها ترفض أن تتركها تحدد الأفق. تكتب:

> تطرح نوعاً من النهوض قادراً على مواجهة الصدمات الأصلية والمتكررة التي طبعت تاريخ بلاك ميسا، دون إنكار أو سخرية أو يأس.
>
> — **Donna Haraway**, *Vivre avec le trouble*. éd. عن الترجمة الفرنسية، دار نشر لا ذكر لها.

هذا النهوض الذي تتحدث عنه هارواي ليس عودة إلى الوراء، بل إصلاح فاعل. إنه يعني "العيش مع الاضطراب" دون السعي لحله نهائياً. فالصدمة لا تُمحى، بل تُدمج في ممارسة التآلف، حيث يتعاون البشر وغير البشر لخلق أشكال حياة متينة. رفض اليأس ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل قرار بعدم السماح للأسوأ بأن يفرض شروط الوجود.

تشدد هارواي على أهمية عدم الوقوع في الإنكار أو السخرية. فهاتان المقاربتان، وإن اختلفتا، تشتركان في نفي إمكانية الفعل التحويلي. أما التآلف، فهو ممارسة تتقبل تعقيد العالم دون أن تخضع له. إنها تقترح زرع علاقات تصلح، ولو جزئياً، الكسور التي خلفها الانهيار.

## احتضان التوتر: حركتان لذكاء واحد

هذان المقاربان لا يستبعدان بعضهما. بل يتجاوبان كوجهين لذكاء واحد يواجه الانهيار. موران يركز على الوعي المأساوي، على ضرورة الاعتراف بحدود العقل البشري. أما هارواي فتشدد على القدرة على الفعل رغم هذه الحدود، على خلق أشكال حياة تحتضن الاضطراب دون أن تضيع فيه.

يمكن للكآبة الفاعلة والتآلف المتين أن يتعايشا. الأولى تقدم يقظة إزاء سوء حظ الذكاء، والثانية تقترح ممارسات لتجاوزه. معاً، يرسمان مساراً لا يقود فيه وعي الانهيار إلى الشلل، بل إلى فعل أكثر تواضعاً وأكثر ابتكاراً.

يتحدث موران عن "طائر مينيرفا"، رمز الحكمة التي لا تكشف عن نفسها إلا عند الغسق. أما هارواي فتتحدث عن نهوض، عن ولادة جديدة تنبثق من الأنقاض. هاتان الصورتان ليستا متناقضتين. بل تدعوان إلى التفكير في الانهيار لا ك نهاية، بل ك لحظة تتجلى فيها ذكاء الإنسان بكل تعقيدها: هشاشة وإبداعاً، يقظة وإصلاحاً.

## المصادر

- Edgar Morin, *La Methode* — Seuil, 1993 (avec Anne Brigitte Kern)
- Donna Haraway, *Vivre avec le trouble* — 


المصدر الأساسي : https://viasophia.org/ar/articles/2026-10-02-habiter-effondrement-entre-melancolie-active/
